۩ روائع الفن العالمي ۩

۩ روائــــع الفـــــــن العـــــــــربي والعـــــــالمي ۩
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شعر امرئ القيس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حي بن يقضان
مراقب(ة)
مراقب(ة)
avatar

مساهماتي : 74
نقاط : 137
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : طالب جامعي
۩ هواياتــــــــــي ۩ : المطالعة
ذكر

مُساهمةموضوع: شعر امرئ القيس   الأحد أغسطس 21 2016, 00:57

شعر امرئ القيس


 امرؤ القيس أسبق شعراء العربية إلى ابتداع المعاني والتعبير عنها، افتتح أبواباً من الشعر ووفق إلى تشبيهات وطوق موضوعات لم يسبق إليها. ففتح باب الغزل وأطال الوصف، وأمعن فيه، وأبدع تصويره هذا إلى لفظ جزل موجز. وسبك محكم يتخلله مثل مرسل، وحكمة بالغة.
وكان شعره مرآة لحياته، وتاريخ قومه. فقد ذكرنا أنه كان لاهياً مولعاً بالشراب. فكذلك كان شعره في شبابه صورة لحياته.
يمثل شعره حياته وترفه في بدء شبابه. فقد كان يخرج إلى الصيد بالطهاة يطهون له ولصحبه ما يصيد: 
 
وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواه أو قدير معجل  
حتى إذا انتهت حياة اللهو والترف وحمل عبء أبيه كان شعره صورة لآماله: 
 
فلو أن ما أسعى لأدنى مـعـيشة كفاني، ولم أطلب، قليل من المال   
ولكنما أسعى لـمـجـد مـؤثـل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالـي  


وهو يصف حزنه على أبيه. وتهديده لقتلته بني أسد: 
 
تطاول ليلـك بـالأثـمـد ونام الخلى ولـم تـرقـد   
وبات وبـاتـت لـه لـيلة كليلة ذي العائر الأرمـد   
وذلك من نـبـأ جـاءنـي وخبرته عن أبي الأسـود   
ولو عن نثا غيره جاءنـي     وجرح اللسان كجرح اليد   
لقلت من القـول مـا لايزا ل يؤثر عني يد المسنـد   
فإن تدفنوا الداء لا نخـفـه     وإن تبعثوا الحرب لا تقعد   
وإن تقتلونا نقتـلـكـمـو وإن تقصدوا لدم نقصـد   
وأعددت للـحـرب وثـابة جواد المحثة والـمـرود
 


وهو يتردد في القبائل يتصرخها، يمدح من نصره، ويذم من خذله، فيمدح سعد بن ضباب الإيادي. وكان قد نزل به فأنجده: 
 
سأشكرك الذي دافعت عنـي وما يجزيك مني غير شكري   
فما جاء بأوثق مـنـك جـاراً     ونصرك للفريد أعز نصـر

 
ويهجو سبيع بن عوف : 
 
أبلغ سبيعاً إن عرضت رسالة إني كظنك إن عشوت أمامي   
أقصر إليك من الوغيد فإننـي مما ألاقي لا أشد حزامـي

 
ثم هو يذهب إلى قيصر فيصف ذلك في شعره: 
 
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقـان بـقـيصـرا   
فقلت له لا تبك عـينـك إنـمـا نحاول ملكاً أو نموت فنـعـذرا
 
وهكذا كان شعره صورة لما روي من حياته.
وأشهر شعره معلقته، ومطلعها:
 
 
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

 
وتقع في واحد وثمانين بيتاً. وقد نظمها في أيام شبابه ولهوه وموضوعها الغزل في بنت عمه عنيزة.


وله مطولات أخرى ذكرت في ديوانه وهو على كل حال قد امتاز بجودة الوصف، ولاسيما النساء والفرس والصيد. كما امتاز بكثرة متشبيه المبكر فشبه النساء بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقبان والعصي إلى كثير من أمثال ذلك. وقل أن ترى له أبياتاً خلت من التشبيه. وكان لرحلاته الكثيرة إلى الشام واليمن وغيرهما أثر في سعة خياله وحسن تصويره واستعماله ألفاظاً جديدة، فشبه في معلقته إشراق محبوبته بسراج الراهب، وحسن تصويره، وشبه ترائبها (وهي موضع القلادة منها) بالسجنجل (وهي كلمة رومية معناها المرآة)، وهكذا.
وأورث امرؤ القيس الأدب العربي أبياناً كثيرة يتمثل بها كقوله: (وحسبك من غنى شبع ورى)، وقوله: 
 
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب  
وقوله: 
 
بنو أسد قتـلـوا ربـهـم ألا كل شيء سواه الجلل  
وقوله: 
 
وإنك لم يفخر عليك كفـاخـر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب  
وقوله: 
 
كذلك جدى لا أصاحب صاحباً من الناس إلا خانني وتغيرا  
وديوان امرئ القيس مشروح عدة شروح وطبع في باريس ومصر. وجمع أشعار امرئ القيس عدة من العلماء، وطبع ديوانه العلامة دي ستان في باريس سنة 1828 مع ترجمة لاتينية. وجمع الأب لويس شيخو اليسوعي أهم أخبار وأشعار امرئ القيس من كتب عديدة وسردها في كتابه المعروف بشعراء النصرانية المطبوع في بيروت سنة 1890.


 ويعد امرؤ القيس أفحل شعراء الجاهلية وإمامهم ويقولون إنه كان أول من ابتدأ في شعره بذكر طلول محبوبته وباليقين في الأوصاف حتى إنه بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً وانه طبع في كل قصيدة من قصائده صوراً كثيرة من حياة البدو أنشدها على نسق واحد بديع مقبول فإن تشبيهات واستعاراته حسنة جداً ولم يصل أحد إلى ما وصل إليه امرؤ القيس في المديح والهجو وأحسن صنعة في شعره هو وصفه جواده، فليس له في ذلك مثيل، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب وهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على أنهم أشعر شعراء العرب: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى واختلفوا في أيهم أشعر وأحسن ديباجة شعر والأكثرون على أنه امرؤ القيس.
قال لبيد: أشعر الناس ذو القروح. وقال الفرزدق: كان الشعر جملاً فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه. وقال جرير: اتخذ الخبيث الشعر نعلين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرئ القيس: إنه يقدم بلواء الشعر إلى النار. وقال علي بن أبي طالب: رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.


وقد أجاد امرؤ القيس في الغزل والوصف ووصف الخيل والصيد وتشبيه النساء بالظباء والمها إلى غير ذلك مما ابتكره من معان واهتدى إليه من أغراض. وله أبيات وقصائد غير صحيحة النسبة إليه وينكر بعض الرواة أبياته في معلقته: 
 
وقربة قوم قد جعلت عصامها على كاهل مني ذلول مرحل  
إلى آخر هذه الأبيات.


آراء النقاد في شعره


أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فضلوا الطريق ووقعوا على غيرهما ومكثوا ثلاثاً لا يجدون الماء، ثم أقبل راكب فسمع بعضهم ينشد: 
 
ولما رأت أن الشـريعة هـمـهـا وأن البياض من فرائصها دامـي   
تيممت العين التي عـنـد ضـارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي 

 
فقال: من يقول هذا؟ قيل امرؤ القيس. قال: والله ما كذب هذا عارض عندكم. 



وأشار لهم إليه فوصلوه فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه فشربوا منه وحملوا ولما أتوا النبي قالوا يا رسول الله أحيانا الله عز وجل ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوهما. فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها متسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار".


وسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء، فقال امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر من معان عور أصح بصر.


وقال علي بن أبي طالب: "رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة".


ومر لبيد بالكوفة على مجلس وهو يتوكأ على محجن له فسألوه عن أشعر العرب فقال: الملك الضليل ذو القروح.


وسئل جرير رأيه في امرئ القيس فقال: "اتخذ الخبيث الشعر نعلين"، وهذا رأي يمثل اقتدار امرئ القيس على الشعر وشدة تمكنه منه.


وقيل للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال: ذو القروح. قيل حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول: 
 
وقاهم جدهم ببني أبـيهـم وبالأشقين ما كان العقاب 

 
وقال ابن يحيى: سمعت من لا أحصى من الرواة يقولون: "أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول: "ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي"؛ وحيث يقول: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"؛ وفي الإسلام القطامى حيث يقول: "إنا محيوك فاسلم أيها الطلل"؛ ومن المحدثين بشار حيث يقول: 
 
أبى طلل بالجزع أن يتكلما وماذا عليه لو أجاب متيما  

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حي بن يقضان
مراقب(ة)
مراقب(ة)
avatar

مساهماتي : 74
نقاط : 137
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : طالب جامعي
۩ هواياتــــــــــي ۩ : المطالعة
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: شعر امرئ القيس   الأحد أغسطس 21 2016, 01:12

وقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد حيث يقول: 
 
كأن قلوب الطير رطبـا ويابـسـا     لدى وكرها العناب والحشف البالي 
 
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت: 
 
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا     وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه  


وكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب قول امرئ القيس: 
 
وما ذرفت عيناك إلا لتضربـي   بسهميك في أعشار قلب مقتل  


 وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة "بزينب ألمم" لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس "لأنها جزلة الكلام جيدة. فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت" فعجبت من اتفاقكما.


وفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال: 
 
ذهب ابن حجر بالقريض وقوله ولقد أجاب فمـا يعـاب زياد  
ويقول الآمدي: "وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه.
ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله: 
 
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي    بأنواع الهموم ليبتـلـي   
فقلت له لما تمطى بصـلـبـه     وأردف أعجازاً وناء بكلكـل   
ألا أيها الليل الطويل ألا انحلـي      بصبح وما الأصباح منك بأمثل   
فيا لك من ليل كأن نـجـومـه      بكل مغار الفتل شدت بيذبـل  


والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملاً معجباً مشدوهاً من روعة البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال.




الليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة حيرى مفزعة.
واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية.
وطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضاً، وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألماً وشقاء.
ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار.
وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ.
صور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال.
وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية.
ويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله: 
 
كأن قلوب الطير رطبـاً ويابـسـا لدى وكرها العناب والحشف البالي  
وفي قوله: 
 
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب  
وفي قوله: 
 
ولو عن نثا غيره جاءنـي وجرح اللسان كجرح اليد  
وفي قوله: 
 
سموت إليها بعدما نام أهـلـهـا سمو حباب الماء حالاً على حال  
وأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرساً: 
 
كأن تشوفه بالـضـحـى تشوف أزرق ذي مخلب   
إذا قرعتـه جـلال لـه تقول سلبت ولم تسلـب  
فقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله: 
 
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنـا تصوب فيه العين طوراً وترتقي  
واجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يوماً فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد: 
 
ما حية ميتة قامت بميتتـهـا درداء ما أنبتت ناباً وأضراسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الشعير تسقى في سـنـابـهـا قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا  
فقال عبيد: 
 
ما السرد والبيض والأسماء واحدة لا يستطيع لهن الناس تمساسـا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك السحائب والرحمن أنـشـأهـا روى بها من محول الأبيض أبياسا  
فقال عبيد:  
 
ما مرتجات على هول مراكبهـا يقطعن بعد المدى سيراً وأمراسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك النجوم إذا حانت مطالعها شبهتها في سواد الليل أقباسا  
فقال عبيد: 
 
ما القاطعات لأرض لا أنيس بها تأتي سراعاً وما يرجعن أنكاسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الرياح إذا هبت عواصفها كفى بأذيالها للترب كناسـا  
فقال عبيد: 
 
ما الفاجعات جهاراً في علانية أشد من فيلق ملمومة باسـا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك المنايا فما يبقين من أحـد يأخذن حمقاً وما يبقين أكياسا  
فقال عبيد: 
 
ما السابقات سراع الطير في مهل لا يشتكين ولو طال المدى باسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الجياد عليها القوم مذ نتجت كانوا لهن غداة الروع أحلاسا  
فقال عبيد: 
 
ما القاطعات لأرض الجو في طلق قبل الصباح وما يسوين قرطاسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الأماني يتركن الفتى ملكـا دون السماء ولم ترفع له راسا  
فقال عبيد: 
 
ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ولا لسان فصيح يعجب الناسا  
فقال امرؤ القيس 
 
تلك الموازين والرحمن أرسلها رب البرية بين الناس مقياسا  
ومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجاباً شديداً، فقال يوماً: أخطأ امرؤ القيس في قوله: 
 
كأني لم أركب جواد الـلـذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال   
ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال  
وهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه.
فقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول: 
 
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال   
ولم أسبأ الزق الروى لـلـذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال  
وقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد حيث يقول: 
 
كأن قلوب الطير رطبـا ويابـسـا لدى وكرها العناب والحشف البالي  
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت: 
 
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه  
وكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب قول امرئ القيس: 
 
وما ذرفت عيناك إلا لتضربـي بسهميك في أعشار قلب مقتل  
 وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة "بزينب ألمم" لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس "لأنها جزلة الكلام جيدة. فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت" فعجبت من اتفاقكما.
وفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال: 
 
ذهب ابن حجر بالقريض وقوله ولقد أجاب فمـا يعـاب زياد  
ويقول الآمدي: "وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه.
ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله: 
 
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتـلـي   
فقلت له لما تمطى بصـلـبـه وأردف أعجازاً وناء بكلكـل   
ألا أيها الليل الطويل ألا انحلـي بصبح وما الأصباح منك بأمثل   
فيا لك من ليل كأن نـجـومـه بكل مغار الفتل شدت بيذبـل  
والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملاً معجباً مشدوهاً من روعة البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال.
الليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة حيرى مفزعة.
واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية.
وطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضاً، وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألماً وشقاء.
ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار.
وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ.
صور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال.
وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية.
ويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله: 
 
كأن قلوب الطير رطبـاً ويابـسـا لدى وكرها العناب والحشف البالي  
وفي قوله: 
 
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب  
وفي قوله: 
 
ولو عن نثا غيره جاءنـي وجرح اللسان كجرح اليد  
وفي قوله: 
 
سموت إليها بعدما نام أهـلـهـا سمو حباب الماء حالاً على حال  
وأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرساً: 
 
كأن تشوفه بالـضـحـى تشوف أزرق ذي مخلب   
إذا قرعتـه جـلال لـه تقول سلبت ولم تسلـب  
فقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله: 
 
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنـا تصوب فيه العين طوراً وترتقي  
واجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يوماً فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد: 
 
ما حية ميتة قامت بميتتـهـا درداء ما أنبتت ناباً وأضراسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الشعير تسقى في سـنـابـهـا قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا  
فقال عبيد: 
 
ما السرد والبيض والأسماء واحدة لا يستطيع لهن الناس تمساسـا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك السحائب والرحمن أنـشـأهـا روى بها من محول الأبيض أبياسا  
فقال عبيد:  
 
ما مرتجات على هول مراكبهـا يقطعن بعد المدى سيراً وأمراسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك النجوم إذا حانت مطالعها شبهتها في سواد الليل أقباسا  
فقال عبيد: 
 
ما القاطعات لأرض لا أنيس بها تأتي سراعاً وما يرجعن أنكاسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الرياح إذا هبت عواصفها كفى بأذيالها للترب كناسـا  
فقال عبيد: 
 
ما الفاجعات جهاراً في علانية أشد من فيلق ملمومة باسـا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك المنايا فما يبقين من أحـد يأخذن حمقاً وما يبقين أكياسا  
فقال عبيد: 
 
ما السابقات سراع الطير في مهل لا يشتكين ولو طال المدى باسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الجياد عليها القوم مذ نتجت كانوا لهن غداة الروع أحلاسا  
فقال عبيد: 
 
ما القاطعات لأرض الجو في طلق قبل الصباح وما يسوين قرطاسا  
فقال امرؤ القيس: 
 
تلك الأماني يتركن الفتى ملكـا دون السماء ولم ترفع له راسا  
فقال عبيد: 
 
ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ولا لسان فصيح يعجب الناسا  
فقال امرؤ القيس 
 
تلك الموازين والرحمن أرسلها رب البرية بين الناس مقياسا  
ومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجاباً شديداً، فقال يوماً: أخطأ امرؤ القيس في قوله: 
 
كأني لم أركب جواد الـلـذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال   
ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال  
وهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه.
فقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول: 
 
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كرى كرة بعد إجفال   
ولم أسبأ الزق الروى لـلـذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
rihana
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

مساهماتي : 84
نقاط : 148
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : المطالعة
انثى

مُساهمةموضوع: رد: شعر امرئ القيس   الأحد أغسطس 21 2016, 15:50

لك اخي "حي بن يقضان"جزيل الشكر والامتنان.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شعر امرئ القيس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
۩ روائع الفن العالمي ۩  ::  ۩ روائع من الادب العالمي ۩  ::  ۩روائع من الشعر العربي ۩ -
انتقل الى: