۩ روائع الفن العالمي ۩

۩ روائــــع الفـــــــن العـــــــــربي والعـــــــالمي ۩
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
امير الريف
عضو جديد
عضو جديد
avatar

مساهماتي : 8
نقاط : 10
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : غير معرف
ذكر

مُساهمةموضوع: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:09



 لوحة لكاندينسكى


أثق أنك رأيـت. فى لحظة ما من حياتك. فنًّا تجريديا، بل لعلك رأيت نماذج منه على موقعى الإلكترونى، إذ أن لدى معرضا رقميا لأعمالة، هو جاليرة لوحات هارلة هان. ولو أنك نظرت إلى هذه اللوحات لرأيت أنها تجريدية، أو هى فى الحقيقة مرسومة بأسلوب غالبا ما يشار إليه بـ"التعبيرية التجريدية".

اقتباس :
        فن الرسم بدأ بتصوير أشياء واضحة ومعروفة ومحددة لدرجة أنها تبدو فى دقة «الفوتوغرافيا»
        مرحلة التجريد تميزت بتصميمات لا تماثل أشياء معروفة ويكون فهم لوحاتها أصعب..
        الفن التجريدى أقوى الفنون لأنه الوحيد الذى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد



القريبون منى يعانون فهم هذا النوع من الفن ويعانون تقييمه. ومن هنا فإن غرض من هذه المقالة هو أن أبيّن كيف تطور الفن وازداد تجريدية، ومدى أهمية "هذا المنحى الذى نحاه الفن". وإننى أعتزم أن أبين أهداف الفن التجريدى وأن أساعدك على الاستمتاع به.

أود أن أعرفك، ابتداء، بفكرة عامة بعض الشىء عن نوعين من اللوحات: التمثيلية والتجريدية.

نقول عن لوحة إنها "تمثيلية" لو أنها تصوّر أشياء واضحة معروفة محددة. وفى بعض الأحيان، تكون اللوحات التمثيلية صادقة مع الحياة لدرجة أن تبدو فى دقة الفوتغرافيا.

انظروا على سبيل المثال إلى اللوحة التالية لرامبرانت فان ريجن "هولندى، 1606 ـ 1669". عنوانها "محاضرة دكتور نيكولاس تولب فى التشريح" التى رسمها سنة 1632.



حينما تنظر إلى تلك اللوحة يسهل عليك أن تعرف ما أنت ناظر إليه. هناك 8 رجال يلبسون ثيابا ظريفة "هى فى الحقيقة من طراز ثياب هولندا القرن الـ17" وأمامهم على المنضدة جثة رجل تحللت يده. يسهل تماما التعرف على كل شىء فى اللوحة، مثلما يسهل التعرف على معناها العام. "فما تراه أمامك درس فى التشريح".

وليست جميع اللوحات التمثيلية واقعية بهذه الدرجة. فقد أبدع بول سيزان "فرنسى، 1839 ـ 1906" على سبيل المثال بعض اللوحات الجميلة للفاكهة. انظر إلى "تفاح، وخوخ، وكمثرى، وعنب" التى رسمها سيزان فى الفترة من 1879 إلى 1880.


واضح أن هذه اللوحة أكثر تجريدية من السابقة. ومع ذلك فإن ما تراه تمثيلى، إذ الأشياء فى لوحة سيزان ليست بواقعية الأشياء فى لوحة رامبرانت. فلا يمكن أن تخلط بين لوحة لسيزان وصورة فوتغرافيةـ ولكن يسهل عليك أن تعرف أنك تنظر إلى فواكه مختلفة فى إناء.

وأنت حينما تنظر إلى لوحة تمثيلية، تشعر على الفور هل تعجبك اللوحة أم لا تعجبك. وانظر على سبيل المثال نظرة أخرى إلى اللوحتين السابقتين وقارن شعورك حين تنظر إلى درس التشريح بشعورك حين تنظر إلى إناء الفاكهة.

أما اللوحات التجريدية فأمرها مختلف. ففيها تصميمات أو أشكال أو ألوان لا تماثل أشياء معروفة معينة. ومن هنا، يكون فهم اللوحات التجريدية أصعب كثيرا من فهم اللوحات التمثيلية. فأنت فى واقع الأمر حينما تنظر إلى لوحة تجريدية لا تعرف فى أغلب الحالات إلام أنت ناظر فعلا. ولنر الآن كيف نمنطق هذا كله.

هناك بصفة عامة نوعان من اللوحات التجريدية. النوع الأول يصوّر أشياء تم "تجريدها" بعد أخذها من الطبيعة. فإذا بما تراه، وإن لم يبد واقعيا، قريب بما يكفى لأن تكوّن فكرة عما أنت ناظر إليه. على أقل تقدير.

ولو أنك رأيت لوحة لكلود مونيه "فرنسى، 1840 ـ 1926" لعرفت ما الذى أتكلم عنه. فى عام 1899، بدأ مونيه يرسم سلسلة لوحات بعنوان "زنابق مائية" تصوّر حديقة منزله فى جيفرنى بنورماندى "بفرنسا". وبرغم أن ما فى اللوحة لا يماثل فعليا الزنابق أو المياه أو السحاب إلا أنه قريب بحيث يسهل عليك أن تكوّن شعورا إزاء ما تراه.

ولكى تدرك ما أرمى إليه، انظر إلى لوحة "زنابق مائية.. السحاب" التى رسمها مونيه سنة 1903.



النوع الثانى من الرسم التجريدى هو الذى يشار إليه فى بعض الأحيان بالفن التجريدى "المحض"، وهذا أشد صعوبة. فهذه اللوحات لا تعكس أى نوع من الواقع المعهود، فكل ما تراه لا يعدو أشكالا وألوانا وخطوطا وأنماطا وما إلى ذلك. وهنا على سبيل المثال لوحة لى عنوانها "أزرق #1" رسمتها سنة 2000.



كما ترى، لا شىء فى اللوحة يمكن التعرف إليه. لا بشر، ولا ثمار، ولا حتى زنابق. وطبيعى حينما تنظر إلى مثل هذا الفن أن تتساءل عما يجعل أحدا يبالى بإبداع لوحات كهذه من الأصل. ما الذى كان يجول فى خاطر الفنان؟

فى بعض الحالات، قد يكون التصميم نفسه سارا للعين، وقد ننظر إلى اللوحة بوصفها مجرد ديكور لا أكثر. غير أن الأمر فى أغلب الحالات لا يكون كذلك. فقدر كبير من الفن التجريدى فى حقيقة الأمر لا يكون سارا للعين. علاوة على أنه ما الذى يجعل فنانا ينفق الكثير من وقته فى إبداع مجرد ديكور؟ لا بد أن فى الأمر ما هو أكثر من ذلك.

الحقيقة أن فى الفن التجريدى أكثر بكثير مما تصادفه العين، ولكى نعرف سبب ذلك، علينا أن نتأمل فى الغرض الأساسى من الفن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امير الريف
عضو جديد
عضو جديد
avatar

مساهماتي : 8
نقاط : 10
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : غير معرف
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:11

عليك، لكى تتذوق بصدق عملا فنيا، أن تراه أكثر من مجرد إبداع فردى معزول: فلا بد من وجود سياق. هذا لأن الفن ليس خارج الزمن. فكل لوحة تنشأ فى بيئة معينة، وإذا لم تفهم تلك البيئة فلن يتسنى لك مطلقا أن تتذوق ما يقدمه لك الفنان. لذلك من المنطقى وأنت تدرس عمل فنان معين أن تعرف شيئا عن حياته والثقافة التى عاش فيها.

برغم أن مزايا اللوحة تعتمد على مهارة الفنان ورغباته، إلا أن قدرا كبيرا مما تراه على التوال يعكس البيئة التى ظهر فيها الفن. وكمثال على ذلك انظر إلى اللوحتين التاليتين.

اللوحة الأولى هى لوحة موناليزا الشهيرة، ورسمها ليوناردو دافنشى "إيطالى، 1452 ـ 1519" فى ما بين 1503 و1506، أما الثانية فللأميرة ديانا ورسمها سنة 1982 آندى وورهول "أمريكى، 1927 ـ 1987. كل منهما بورتريه لسيدة، رسمه فنان رفيع الموهبة، وفى كل منهما الوضعية نفسها، ولكن لاحظ الفارق الصادم بين الأسلوبين.




لو درست حياتى دا فينشي وورهول، لوجدت ـ فلا يدهشك هذاـ أن ثمة اختلافات بينة بين الرجلين. غير أن هذه الاختلافات ليست السبب فى التباين الفادح بين الأسلوبين.
فأنت حينما تقارن بين اللوحتين، ترى اختلافات ثقافية أكثر مما ترى أى شىء آخر. فالفنان حينما يبدع يخضع بقوة لتأثيرات الزمن الذى يعيش فيه، ومهما يكن خلَّاقا على المستوى الشخصى، لا يكون له مهرب من حدود ثقافته.

وأنت حينما تدرس تاريخ الفن، ترى فى كل مكان وزمان معينين، أن "مدرسة" ما هى المهيمنة فى الفن وهى التى تحدد الثقافة الفنية، التى يعمل فى سياق أعرافها أغلب الفنانين. غير أن من الفنانين تجريبيين وأصحاب رؤى يمضون إلى أرض جديدة، وفيما يفعلون ذلك يواجهون مقاومة هائلة ممن لا يفهمون هذا الأسلوب "الجديد". ولكن، من أعمال هؤلاء المبتكرين، يتخلّق الفن.

والآن ما علاقة هذا بالفن التجريدى؟

حتى نهاية القرن الـ19، كان الرسم كله تقريبا تمثيليا. كان الرسام يرسم لوحات مباشرة، ينظر إليها الناس لهدف واحد هو أن يروا الصورة المعينة التى تم تصويرها.

فى البداية، تبدو هذه الفكرة واضحة بما لا يدعونا إلى عرضها من الأصل. فلأى سبب تنظر إلى الصورة إلا لترى ما هو مرسوم فيها؟ ولكن هناك كما سأبيّن أسبابا أخرى أكثر إقناعا للنظر إلى لوحة. بل إن من الممكن فى الحقيقة أن تختبر لوحة بطريقة تجعلك تتجاوز ما تراه إلى أن تكتشف ما قد تشعر به.

فى مطلع سبعينيات القرن الـ19، نشأت حركة فى فرنسا بدأت بإدخال التجريد إلى الفن الجاد. هذه الحركة، المعروفة بالانطباعية، أنتجت أعمالا كانت للمرة الأولى تتألف بالكلية من صور واقعية.

كان الغرض الأساسى للانطباعيين بسيطا من وجهة النظر المفاهيمية: فقد أرادوا تصوير الطبيعة كما هى موجودة فعلا. فكدحوا كدحا خاصا من أجل قنص آثار الإضاءة دائمة التغير على مدار اليوم من فصل إلى فصل.

فمثلا، قضى الفرنسى مونيه ـ الذى ذكرته فى ما سبق ـ كثيرا من الوقت فى إبداع سلسلة من اللوحات التى كان يرسم فيها الشىء نفسه فى أوقات مختلفة من اليوم، قاصدا من ذلك تبيان تغير لون الشىء وشكله من ساعة إلى التى تليها.

ألق نظرة على هذه اللوحة لكومتى التبن التى أبدعها مونيه فى ما بين 1890 و1891. لم يكن هدف مونيه أن يقدم صورة بسيطة لكومتى تبن، بل أن يبين لون كومتى التبن وشكلهما فى يوم معين قرب نهاية الصيف. من وجهة نظر مونيه "وأنا أتخيل هذا"، كانت اللوحة تدريبا أكثر مما كانت عملا فنيا.



فى الوقت نفسه تقريبا، نشأت بتأثير من الانطباعية مدرسة فنية جديدة هى الانطباعية الجديدة. استعمل الانطباعيون الجدد كثيرا من النقاط الصغيرة المتجاورة لإقامة أشكال وألوان عديدة. يمكنك أن ترى هذا التكنيك. المعروف بالتنقيط pointillismـ فى اللوحة التالية وهى لوحة "عصر يوم أحد فى جزيرة لا جراند جاتيه" التى أبدعها فى ما بين 1884 و1886 جورج سيورات "فرنسى 1859 ـ 1891".



وأخيرا، فى ثمانينيات القرن الـ19 وتسعينياته، سعت جماعة متباينة إلى تجاوز الانطباعية وهوسها بآثار الضوء المتغيرة. أبدع هؤلاء الرسامون، المعرفون فى مجموعهم بما بعد الانطباعيين، نطاقا عريضا من اللوحات المبتكرة اللافتة. كان من بين أهم ما بعد الانطباعيين بول سيزان "فرنسى، 1839 ـ 1906" الذى سبقت الإشارة إليه، وبول جوجان "فرنسى، 1848 ـ 1903" وفنسنت فان جوخ "هولندى، 1853 ـ 1890".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امير الريف
عضو جديد
عضو جديد
avatar

مساهماتي : 8
نقاط : 10
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : غير معرف
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:12

حينما تنظر إلى لوحات الانطباعيين، ستلاحظ على الرغم من تهدئتها جميعا للعين وإراحتها للروح، أنها إجمالا مملة. وليس هذا حال أعمال ما بعد الانطباعيين، كما يمكنك أن ترى فى اللوحتين التاليتين.

إليك أولا "من أين نأتى؟ وماذا نكون؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟" التى رسمها جوجان سنة 1897.



وإليك من بعد "السوسن" التى رسمها فان جوخ سنة 1889.



شهدت العقود الثلاثة الأخيرة فى القرن الـ9 انتقالين مهمين ومتمايزين. الأول هوـ كما ذكرت من قبل. تغير تدريجى من الفن التمثيلى إلى التجريدى. ويمكنك أن ترى هذا فى أعمال الانطباعيين وما بعد الانطباعيين. أما التغير الثانى فكان أشد رهافة، لكنه أكثر أهمية بكثير. فبأعمال ما بعد الانطباعيين، بدأ غرض الفن نفسه يتغير.

ففى الشطر الأكبر من التاريخ، كان غرض الرسم الأساسى هو رسم الصور، بدلا من إثارة المشاعر والعواطف. غير أن التركيز بدأ يتغير ابتداء من ما بعد الانطباعيين. فللمرة الأولى، بدأت مشاعر لاواعية تجد طريقها إلى متن الفن. والذى سمح بحدوث هذا هو أن الانطباعيين خفّفوا القيود، وأتاحوا للانطباعيين الابتعاد عن جذورهم التمثيلية والاقتراب أكثر من التجريد.

من المؤكد أن ما بعد الانطباعيين كانوا لا يزالون أقرب إلى الحرفية فى عملهم: فأنت حينما تنظر إلى أعمال سيزان أو جوجان أو فان جوخ، تعرف ما الذى أنت ناظر إليه.

والحق أننى فى بداية هذه المقالة استخدمت لوحة لسيزان هى "تفاح، وخوخ، وكمثرى، وعنب" مثالا للفن التمثيلى. ومع ذلك فقد كان الانتقال التدريجى إلى التجريد واقتناص المشاعر عميقة الغور حقيقيين وعارمين.

وسر الأهمية البالغة لهذا الأمر يكمن فى أن أغلب الحياة البشرية يجرى فى اللاوعى، تحت سطح الإدراك وفى ما وراء قدرات اللغة والتفكير السببى. فى هذا العالم السفلى، تكمن القوى البائسة الجامحة اللاعقلانية التى تبث الحياة فى وجودنا وتحدد معنى أن نكون بشرا.

حتى القرن الـ20، كان على الفنانين أن يقنعوا بما يصادفونه فى مراعى سطح الوعى. وكانوا يحاولون بقدر ما يحاولون، فلا تكون لهم إلا قدرة وأدوات محدودة لا تكاد تعينهم على النفاذ إلى قلب معنى إنسانية الإنسان. والمخ حينما يتعامل مع صورة يمكن التعرف عليها فإن حاجزا ذهنيا يقوم حائلا دون دخول اللاوعى إلى هذه العملية.

وهكذا يفرض الفن التمثيلى بطبيعته حدودا على مدى العمق الذى يستطيع أن يبلغه الفنان فى دخوله على عمليات اللاوعى لدى المشاهد.

ولكن مع ظهور التجريد، صارت للفنانين للمرة الأولى أداة قوية تتيح لهم تفادى الإدراك المباشر والوصول إلى عالم الشعور غير الواعى الذى ما كان لهم أن ينفذوا إليه بغير هذا الأداة، ولقد تسنى لهم ذلك لأنه كلما ازداد العمل الفنى تجريدا، قلّت التصورات المسبقة التى يستدعيها ذهن المشاهد.

والفن التجريدى قد يصبح أداة لانهائية القوة فى يد الممارس الماهر. ولكن هذه الأداةـ كما سأبين حالاـ تستوجب ما يتجاوز مهارة الفنان، إذ هى تستوجب تعاونا من المشاهد. غير أننى. قبل التطرق إلى هذه النقطةـ أود المضى قليلا مع التاريخ.

بحلول مطلع القرن الـ20، كان الانتقال إلى التجريد قد ولد قدرة هائلة. من قبل، كان الرسامون. المحصورون فى أعراف الفن التمثيلى. قد ألزموا أنفسهم بحدود محاكاة الطبيعة أو حكى القصص. ثم أمكنهم. للمرة الأولى. أن يلجوا عالما لم يكن الخيال اللامحدود متاحا فيه وحسب، بل ومرغوبا فيه أيضا. وهكذا ظهرت فى أوربا وأمريكا الشمالية فى ما بين 1910 و1920 حركة جديدة باتجاه التجريد فى الفن والنحت على السواء.

كان أول الفنانين التجريديين المهمين هو فاسيلى كاندينسكى "روسى، 1866 ـ 1944". أبدع كاندينسكى فى الفترة من 1910 إلى 1914 سلسلة لوحات بعنوان "ارتجالات وتكوينات" لا تزال. بعد مضى قرابة القرن. صادمة فى قدرتها على اجتناب الوعى وإثارة مشاعرنا الداخلية. وانظر مثلا إلى لوحة "ارتجال 7" المفضلة لدى والتى رسمها كاندينسكى سنة 1910.



كان عمل كاندينسكى شديد التأثير، فساعد فى التبشير بعصر قام فيه عدد من الحركات التجريدية واحدة تلو الأخرى: التكعيبية، المستقبلية، الدوامية Vorticism، النيوبلاستية Neoplasticism، الدادية، السريالية، إلى آخر تلك الحركات. وبدلا من أن أصف كلا من هذه الحركات بالتفصيل، أود أن أقفز إلى ما أعتبره النقطة الفارقة فى فن القرن الـ20: أى التعبيرية التجريدية.

لقد ظهر ما نطلق عليه التعبيرية التجريدية فى نيويورك فى مطلع أربعينيات القرن الـ20. ولم تكن مدرسة فنية محددة بقدر ما كانت طريقة تفكير. قام التعبيريون التجريديون بالانفصال الأخير عن أعراف الماضى الصارمة، بأن أعادوا تعريف معنى الفنان. فكان جوهر ما قاموا به هو التمرد على عالم الفن المحكوم بالمقبول والمتفق عليه.

وبرغم أن فكرة التجريد كانت حاضرة منذ بعض الوقت، مضى التعبيريون التجريديون إلى ما هو أبعد بكثير. فقد بدأوا بالتأكيد، لا على المنتج النهائى وحده، بل وعلى عملية الرسم ذاتها. فشملت تجاربهم طريقة التفاعل مع الطلاء والقماش والأدوات، وأولوا اهتمامهم للسمات المادية للطلاء نفسه، أى نسيجه ولونه وشكله.

أعرف أن ذلك يبدو غامضا ومفتعلا، لذلك سأوضح لك ما الذى يعنيه هذا كله. لكن دعنا نلق نظرةـ قبل أن أفعل هذاـ على لوحة تعبيرية تجريدية، فيتسنى لك أن تكوّن إحساسا عما أوشك أن أتكلم عنه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امير الريف
عضو جديد
عضو جديد
avatar

مساهماتي : 8
نقاط : 10
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : غير معرف
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:16

اللوحة التالية رسمها جاكسن بولوك "أمريكى، 1912 ـ 1956" رائد ما عرف بـ"الرسم الحركى action painting". عرفت اللوحة فى الأصل باسم "رقم 1، 1950"، لكن باقتراح من ناقد فنى يعرف بكليمنت جرينبرج صار اسمها "ضباب الخزامى" "برغم أنه ما من خزامى بالطبع".



صيغ مصطلح " الرسم الحركى" لوصف التقنيات التى كان يستخدمها بولوك. فقد كان يثبّت قطعة كبيرة من القماش على أرضية مرسمه، ثم يقطّر الطلاء ويلقيه ويرشه عليها، مستعملا فى الغالب طلاءات منزلية عادية لتفضيله انسيابيتها.

والآن، أعرف أنك حينما تنظر إلى لوحة كـ"ضباب الخزامى" للمرة الأولى لن ترى أكثر من فوضى مربكة من الخطوط والنقاط التلا لا يمكنك تمييزها. وأسمعك تقول "ما الذلا يعنيه هذا؟ وكيف يعد مثل هذا الشىء البدائى الفج فنا رفيعا؟ هذا أشبه بما يمكن أن ينتجه طفل ضجر إن ترك بغير رقابة فى مرسم".

وقبل أن أبين لك لماذا تعد "ضباب الخزامى" فنا رفيعا بالفعل، سأحكى لك حكاية. قبل سنوات قليلة، قررت الذهاب إلى واشنطن بنفسى، وكان ذلك فى منتصف الشتاء وعاصفة جليدية تضرب المدينة. كنت وحدى تماما، فقررت أن أسير إلى الجاليرى الوطنى للفن. كانت الشوارع موحشة وخاوية، وفيما كنت أدخل المتحف، رأيت أنه خاو هو الآخر.

سألت موظفة الاستعلامات إن كان لديهم أى شىء لجاكسن بولوك. فأجابت الموظفة بالإيجاب، وأرشدتنى إلى القاعة المخصصة للوحاته ورسوماته. كنت قد سمعت عن بولوك ورأيت صورا فوتغرافية لأعماله، ولكننى لم أكن رأيت من قبل عملا له رأى العين.

لا أزال أتذكر إحساسى وأنا أنزل الدرج، وأستدير وأنظر إلى الجدار. كنت وحدى تماما فى قاعة ضخمة، وكانت هناك، على جدار بعيد، لوحة "ضباب الخزامى". كان تأثيرها على غير متوقع بالمرة. كانت تلك هى المرة الوحيدة فى حياتى التى تحبس لوحة فيها أنفاسى حرفيا. أعرف أن كلامى هذا يبدو رخوا، ولكن رؤيتى هذه اللوحة غيرتنى إلى الأبد.



مشاهدة اللوحة للمرة الأولى

كيف يكون هذا؟ لقد رأيت أنت صورة للوحة، ولا أعتقد أنك شعرت أنها غيرتك إلى الأبد. على أولا أن أقول إن اللوحة الأصلية ضخمة، يوشك طولها أن يبلغ 3 أمتار. وهى جليلة بحق حين تراها مباشرة، لا سيما فى قاعة ضخمة، حيث تبدو اللوحة وكأنها تهيمن عليك، وتشدك، وتأخذك إليها.

ثانيا، ما تراه فى الصورة السابقة لا يشبه فى شىء اللوحة الحقيقية. ليس فقط لأن الصورة على شاشة الكمبيوتر لديك أصغر كثيرا من اللوحة الأصلية، بل لأن الألوان على شاشتك مصمتة وغير دقيقة، وأهم من ذلك أنك لا تستشعر عبر الشاشة نسيج الطلاء والقماش.

وأنا متأكدة أنك تفهم هذا كله. فلا أحد يجهل أن مشاهدة اللوحة الحقيقية تختلف عن النظر إلى صورة لها عبر شاشة كمبيوتر، أو شاشة عرض كما فى محاضرات الفن مثلا.

غير أن هناك سببا آخر لتأثرى البالغ بـ"ضباب الخزامى"، وهو سبب شديد الارتباط بغرض الفن نفسه. ولكى نناقش هذا علينا أن ننظر فى هذا السؤال: لماذا نبدع الفن؟
ثمة عدد من الأسباب المباشرة لإبداع البشر للفن: للديكور، لحكى القصص، للقبض على صورة أو الإبقاء عليها، أو للتعبير عن فكرة. ولكن هناك سببا أدق وأهم بكثير يبين أهمية الفن بالنسبة لنا.

إن الحاجة إلى ولوج أنفسنا والتلاعب بمشاعرنا غير الواعية حاجة إنسانية عامة. وكلنا نشبع هذه الحاجة بدرجة ما وإن كنا فى أغلب الوقت نجهل ما نفعله.

وهنا يتدخل الفن. ومثلما أوضحت من قبل، فإن من أغراض الفن أن يتيح لنا اتصالا غير مباشر بذواتنا الداخلية. والفن العظيم يتيح لنا سبيلا إلى التماس مع الجانب غير الواعى من وجودنا حتى لو لم ندرك ما الذى نفعله. وبهذا المعنى، فإن دور الفنان هو أن يبدع شيئا قادرا عندما يراه المشاهد أن يثير فيه مشاعر وعواطف غير واعية.

السبب الذى يجعل الفن التجريدى على هذا القدر من القوة هو أنه يقلل تشتت الوعى إلى أدنى درجة ممكنة. فأنت حينما تنظر على سبيل المثال إلى التفاح والكمثرى عند سيزان، فإن أغلب طاقتك الذهنية يتوجه إلى معالجة الصور: الثمار والطبق والمائدة والخلفية. أما حينما تنظر إلى "ضباب الخزامى"، فلا تشتتك عنها صور ذات معنى، فتنصب كل طاقتك الذهنية على الشعور. يمكنك أن تفتح نفسك، وتستقبل طاقة اللوحة وروحها، وتسمح لها بأن ترقص مع ذاتك.

وذلك بالطبع لا يحدث إلا إن تعاونت مع الفنان. فوظيفة الفنان أن يبدع لوحة فيها من البراعة ما يجعلك ترى حينما تنظر إليها تغيرات فعلية فى ما تشعر به على مستوى اللاوعى. ووظيفتك أنت أن تطهر عقلك الواعى من الأفكار والتصورات المسبقة لتتيح لذاتك أن تتأثر بما تراه. ومعنى هذا أنه لو أنك تسعى حقا إلى تذوق عمل فنى، فلا بد أن تعقد العزم على أن تسلم نفسك، وتضعها بين يدى الفنان، وتتركه يصطحبك إلى حيثما يريد.

وفى أغلب الأوقات تفشل هذه الشراكة، ففى بعض الأحيان لأن الفنان لا يكون على القدر الواجب من المهارة، وفى أغلبها لأن الناظر إلى اللوحة لا يعرف كيف يتذوقها حقا.

والآن يمكنك أن ترى لماذا كان مجىء التعبيرية التجريدية بالغ الأهمية. إذ للمرة الأولى فى التاريخ، كان بوسع الرسامين أن يبرعوا فى إبداع فن تجريدى قادر على النفاذ بقوة وبسرعة إلى لاوعى الناس "أو بعضهم، فى بعض الوقت، على أقل تقدير".

ومن هنا، يمكن أن نرى تاريخ الرسم بوصفه عملية تطورية طويلة، تبدأ بالتطور المضنى الطويل للأدوات والتقنيات، وينتهى بعد قرون من التمثيلية، بأن بدأ التعبيريون فى خلخلة المحاذير القديمة التى أدت إلى نشوء كثير من مدارس الفن التجريدى لتبلغ ذروتها فى أربعينيات القرن الـ20 فى التعبيرية التجريدية لتكون بداية عصر جديد من الإنجاز والإبداع البشريين.



مقال لهارلى هان



ترجمة: أحمد شافعى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
rihana
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

مساهماتي : 84
نقاط : 148
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : غير معرف
۩ هواياتــــــــــي ۩ : المطالعة
انثى

مُساهمةموضوع: رد: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:19

78
147
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
@المدير
المدير
المدير
avatar

مساهماتي : 474
نقاط : 1067
۩ مهنـــــــــــتي ۩ : استاذ
۩ هواياتــــــــــي ۩ : المطالعة
ذكر

مُساهمةموضوع: رد: الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد    الأحد أكتوبر 01 2017, 00:20

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://artistes.arab.st
 
الفن التجريدى ينفذ إلى عالم الشعور غير الواعى للمشاهد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
۩ روائع الفن العالمي ۩  ::  ۩ منتدى فن الرسم ۩  :: اضغط من فضلك-
انتقل الى: